⚙︎
عودة للموقع ←


الفصل السادس


موجز حياة نيتشيرين (شمس لوتس) 🔗

ولد نيتشيرين في السادس عشر من فبرايرعام 1222 في قرية صغيرة على شاطىء المحيط الهادىء - قرية “كوميناتو” لصيادي السمك، والواقعة قرب مشارف طوكيو في اليابان.

ومنذ طفولته، لاحظ نيتشيرين صعوبة حياة الناس حوله، وكفاحهم اليومي في العمل ضمن مجتمع قائم على التمييز والتفرقة، حيث اعبرت مهنة صيد السمك آنذاك الأدنى اعتباراً في مجال الطبقات الإجتماعية.

css

خليج كوميناتو Kominato Bay

وقد أشار نيتشيرين في كتاباته اللاحقة إلى مصدره الطبقي بفخر واعتزاز مبيناً أن قيمة الفرد لايحددها السلّم الإجتماعي أو آرآء الناس، خاصّة وأن المجتمع نفسه في واقع من المعاناة التي يولدّها فكر الجهل السائد فيه.

مرحلة الدراسة 🔗

في عمر الثانية عشر، أرسله والداه للتعلم في مدرسة معبد قريب يدعى “سايشوجي”. وكما ذكر في كتاباته عن نفسه فيما بعد – كانت أمنيته العميقة: أن ينمو لكي يصبح “الأعلى حكمة في البلاد”(*)، وذلك بهدف إيجاد القدرات والحلول لمساعدة الناس على التغلّب على المصاعب والمعاناة.

بعد انتهاء فترة أربعة سنوات من التعلم المبدئي، قرر نيتشيرين في عمر السادسة عشرة أن يتابع دراسة كافة التعاليم الروحية للتمكن من الحصول على ما سمّاه “بجوهرة عقل الحكمة” التي كان يحلم بها منذ الصغر.

inline

وبدأت رحلة المعرفة بالسفر إلى مراكز العلوم الدينية في العاصمة “كاماكورا” وفي غيرها من المدن ، حيث التحق نيتشيرين بالمعابد العديدة فيها لدراسة تعاليمها، مكتشفاً بذلك كنهها ومقارناً فيما بينها. كان من الديانات الأكثر انتشاراً آنذاك ديانة “أميدا” والتي تعتقد بوجود بودا في كوكب بعيد يمكنه انقاذ الناس بعد رحيلهم من هذة الحياة – وهوالإعتقاد الذي اعتبره نيتشيرين خرافة وتضليل. كذلك انتشرت ديانة “الشينكون” التي تعتمد بعض الطقوس الهندوسية، وطريقة “زن” التي تركز على التجريد والبعد عن الواقع .

وبعد رفضه لكل هذة الديانات العقيمة وجد نيتشيرين أن تعاليم مدرسة التنداي Tendai (التي تعتمد سوترا اللوتس أساساً لممارساتها الروحية) كانت الأقرب إلى العقلانية والمعنى.

على أن ممارسات تلك المدرسة كانت مقصورة على طبقة الكهنة دون انفتاح على عامّة المجتمع، إذ أن طريقتها في القيام بالتأمل الصامت المطوّل لم يكن ملائماً للناس العاديين في حياتهم اليومية المليئة بالأحداث والمشاغل. فبالنسبة لنيتشيرين كان الحكم على قيمة التعاليم الروحية تابعاً لما توفرّه من سعادة وتقوية للفرد العادي في حياته اليومية، ذلك لأن حياة الإنسان وعلاقاته تتحدد بما يتبّعه من فكر ودوافع تتحكمّ فيها العقائد.

أشار نيتشيرين في كتاباته إلى أهميّة “البرهان الواقعي” لصحة المعتقدات، أي إلى الفائدة الواقعية التي يجنيها الفرد من خلال تطبيق الفكر الذي يعتمده، وهل هناك من إثبات على إمكانية المعتقدات التغلب على المعاناة في الحياة اليومية؟ كان هذا التقييم العملي للفكر المتداول – وليس بهرجة الطقوس أو حكايات الكهنة – هو الأساس الذي يعطي الثقة بصحة وجدارة ما يتبعه الناس من فكر روحي.

ومن خلال هذا المنظار الواقعي وجد نيتشيرين أن الديانات المتداولة غير قادرة على مساعدة الناس، وأن تصحيحاً ثوريا لإحياء تعاليم فلسفة اللوتس أمر لابد منه. وقد ازداد يقينه في ذلك رسوخاً لدى استقرائه لوضع حياة المجتمع آنذاك، والذي كان يعاني من كوارث عديدة متكررة، وذلك بسبب الجهل والتكبر واتباع أفكار التفرقة والعنف (والتي تعكس تناقض المجتمع مع الطبيعة الإنسانية وتبيّن فقدان السلطات الحاكمة للحكمة في معالجة الواقع). وقد استنار نيتشيرين بتعاليم سوترا اللوتس في إدراكه لحقيقة وضع المجتمع ضمن إيرادها لأسباب انحطاط أو ازدهار حياة المجتمعات الإنسانية.

إعلان التعاليم الجديدة 🔗

inline

بعد فترة استغرقت عشرين عاما من الدراسة والتعمق واختبار مختلف الممارسات والمصادر، قرر نيتشيرين في عمر الثانية واثلاثين القيام بخطوة ثورية بدأت تغييراً كبيراً في مسار التاريخ البوذي.

فلدى عودته إلى المعبد القديم الذي بدأ منه مرحلة الدراسة، جمع عددا من المعلمين والكهنة لإلقاء محاضرة (في 28 أبريل 1253) كان الكل متحفزّاً في توق لسماعها. وفي ذلك اليوم أعلن للملاء اتخاذ اسمه الشخصي " شمس اللوتس" أو “نيتشيرين” (حيث كان يعرف سابقاً حتى ذلك التاريخ باسمه المعطى له عند الولادة ثم باسمه المعطى له من معلميه السابقين). وفي كتاباته اللاحقة أشار إلى أن اتخاذ هذا الإسم (الذي أعطاه لذاته) هو تعبير عن وصوله إلى الإنارة بنفسه.

وفي محاضرته تلك، بيّن نيتشيرين عقم فكر الديانات السائدة بالمقارنة مع تعاليم سوترا اللوتس التي تتيح لكل فرد الوصول إلى حياة الإدراك والسعادة والأمن في الحياة الحالّية. ثم أشار إلى طريقة عملية في الممارسة الروحية والتي يمكن لجميع الناس القيام بها وهي الإنشاد أو النداء الذي يلخّص كنه سوترا اللوتس.

كان إعلان الإنشاد: “نام ميوهو رنكة كيو” بداية عصر جديد في تاريخ البوذية. فقبل طريقة استخدام الفرد لصوته في الإنشاد، كان التأمل (والذي يتطلّب الجلوس بصمت دون حركة لمدة طويلة) هو طريقة الممارسة الروحية لدى طبقة الكهنة.

أما الإنشاد فقد وفر للفرد العادي - في ظروفه من حياة يومية مليئة بالفعاليات والأحداث – الإمكانية السهلة والأسرع في الوصول إلى فوائد عملية بشكل مباشر وبما يفوق طريقة التأمل.

ولكن إعلان نيتشيرين عن التعاليم الجديدة لم يستقبل بالترحاب من قبل الأتباع التقليديين للديانات المختلفة، بل كان ذلك بداية لتتالي أحداث بالغة الخطورة هددت أمنه وحياته نتيجة الرفض العنيف من قبل أتباع تلك الديانات لما أتى به من تعاليم تحرر الفرد العادي من سلطتها.

فمنذ ذلك الإعلان الجريء عن بدء جديد لأسلوب الوصول إلى الإنارة، جرى عديد من المحاولات لإسكاته ثمّ لقتله، وحين فشل ذلك اتجّه أعداؤه إلى تحريض السلطة الحاكمة على نفيه إلى أماكن ذات ظروف قاسية لاعودة منها عادة. ولكن مقدرته على عبور كل تلك الأحداث دون أن يتأثّر بها كانت أمراً مثيراً للإستغراب لم يجد له الناس تفسيراً سوى أنه كان يتمتع بقدرة روحية كبرى يجد ضمنها الحماية، الأمر الذي جذب حوله اهتماماً خاصّاً. على أن حكمته ودفء تعاطفه القلبي مع الناس كان العامل الأكبر في بدء انتشار الإنشاد – والذي أتى بالفائدة العملية في حياة أتباعه.

مجابهة السلطة الحاكمة 🔗

عاد نيتشيرين في عمر الثانية والثلاثين إلى العاصمة “كاماكورا”، واستقر في كوخ متواضع في ضاحية “ماتسوباكا ياتسو” جعله مقراً للدعوة إلى تعاليم اللوتس، حيث بدأ أفراد قلائل بالإستماع إليه. وبالإضافة إلى عقد اجتماعات للدراسة كان نيتشيرين مهتما بترك تراث مسجّل من الكتابات لينتشر ضمن أتباعه - كما بدأه في رسالته الأولى: “حول الوصول إلى الإنارة في هذة الحياة الحالية” - وفيها شرح سلس لمعنى الإنشاد - اتبعها بكتابات عديدة.

في ذلك الوقت، كان الجو العام في المجتمع مشحوناً بالقلق الشديد بسبب الكوارث الطبيعية من حرائق وزلازل وجائحات مرَضيّة، بالإضافة إلى شح كبير في المواد الغذائية. وبما أن سوترا اللوتس تبين أن الكوارث الطبيعية الخارجية تعكس الوضع الفكري والروحي المتدني للناس، قرر نيتشيرين تقديم شرح وتحذير إلى السلطة العسكرية الحاكمة حول أسباب الوضع المريع الذي يعاني منه الناس لعدد من السنوات.

ففي عمر الثامنة والثلاثين أرسل كتاباً بالغ القوّة إلى أكثر القادة تأثيراً في السلطة الحاكمة، عنوانه " حول ترسيخ التعاليم الصحيحة لأجل السلم في البلاد" (*) موضحاً فيه أن سماح الحكم بتفشي فكر الجهل والخرافات يؤثّر وينعكس على مايعاني منه الناس في الواقع من فقدان الإنسجام مع الطبيعة، وأن استمرار هذا الوضع سوف يؤدّي في زمن لاحق إلى تفكك في المجتمع وحصول نزاع بين العشائر التي تتنافس فيما بينها على السلطة.

ثم أضاف نيتشيرين في تحذيره أمراً لم يتوقعه أحد، وهو توقع حصول غزو للبلاد من جهة خارجية. وقد سببّ ذلك الكتاب غضباً شديداً من قبل أتباع الديانات التي اتهمها نيتشيرين بالجهل بما دفع عدداً منهم إلى ترتيب خطة للهجوم على مقرّ سكنه في “ماتسو باكا ياتسو” واحراقه (**)، ولكن نيتشيرين كان قد علم سراً بخبر مسبق عن تلك الخطة بما أمكنه مغادرة المكان سالماً قبل حصول الهجوم ، حيث استضافه أحد اتباعه في منطقة مجاورة، آمناً إلى حين.

النفي ثم محاولة القتل في واقعة الكوما تسوبارا 🔗

ولكن، بعد مضي عام على ذلك الهجوم، القي القبض على نيتشيرين بأمر من السلطة العسكرية الغاضبة لتحدياته وتم نفيه إلى منطقة “إيزو” (*) لمدة سنتين. وفي فترة النفي، استمر نيتشيرين في دعم أتباعه بنفسية متّقدة بالمتانة رغم ما كان يمرّ به من ظروف قاسية - من دون أن تحبطه الصعوبات. واستطاع أثناء فترة النفي هذة اقناع عدد من الأتباع الجدد بالإنضمام إليه، ثم عاد بعد ذلك - وكان في عمر الواحد والأربعين - إلى العاصمة مجدداً ليتابع نشر التعاليم.

ولكن عداء المتطرفين ضده كان شرساً. ففي السنة التالية تعرض نيتشيرين إلى هجوم كبير حين كان في طريقه مع عدد من أتباعه ضمن غابة في منطقة “كوماتسوبارا” (**).

css

فأثناء مسير الفرقة انهالت عليها النبال من جماعة يقودها الإقطاعي “كاكينوبو”

ثم جرى قتال راح ضحيته أحد مرافقي نيتشيرين. وقد تراجع المهاجمين في روع من فشلهم أمام صمود نيتشيرين الذي كان ينشد بصوت جهوري القوّة دون خوف أمامهم رغم أنه كان قد جرح بالسيف على جبهته وكسرت يده اليمنى.

كان الهجوم في “كوماتسوبارا” ونجاة نيتشيرين مجدداً مدعى استغراب واهتمام الكثيرين من الناس الذين تناقلو الخبر. وتجاه ذلك تولّد الإعتقاد لدى الكثيرين أن هناك قدرة روحية ما تجعله في حماية ودعم مستمر.

تهديد المغول: إمّا الإستسلام ودفع الجزية - أوالإخضاع بالغزو 🔗

لم تصدق السلطات الحاكمة تحذير نيتشيرين السابق لها حول خطر الغزو الخارجي، إذ لم يحصل مثل هذا الخطر قبلاً في تاريخ البلاد. ولكن في عام 1268 وصل مبعوث من “قبلاي خان” امبرطور المغول (*) حاملاً رسالة يطلب فيها استسلام اليابان ودفع الجزية له، أو مجابهة قواته.

بلغ نبأ تهديد المغول بالحرب أسماع نيتشيرين (وكان آنذاك في عمر السادسة والأربعين)، وقد أثار ذلك التهديد فيه الرغبة القوية في تحريض الحكومة على سماع رأيه مبيناً أنه كان قد تنبأ بذلك الخطر عدة أعوام في كتابه الموجّه للسلطات – دون أن يؤخذ بجدّية.

ولكن، عوضاً عن التعاضد معه، كان تأثير الديانات الكارهة لتعاليم نيتشيرين من القوة بحيث رفضت السلطات سماعه، إذ أن قبول الحوار العلني معه كان ليعني اثباتاً لصحة تعاليمه المضادة للعقائد التي اتهمها نيتشيرين بالفساد.

بدأت السلطات بالتحضير للدفاع عن الشواطىء تحسباً لهجوم المغول، ولكن كارثة كبرى إضافية بدأت بإقلاق الناس، وهي انحباس الأمطار وتهديد المحصول الزراعي نتيجة الجفاف. لذلك، وحسب التقاليد المتبعة آنذاك، طلبت الحكومة من قادة الديانات وعلى رأسهم أشهر الكهنة (ويدعى “ريوكان”) إجراء الطقوس للصلوات لأجل المطر.

عند ذلك تحدّى نيتشيرين قادة حركة الصلوات الدينية التي نُظّمت لأجل استدرار المطر - بأنه إذا أفلحو في ذلك فهو سيتبع تعاليمهم، أما إذا أخفقو فيتوجّب عليهم اتباع تعاليم اللوتس. وكما توقع نيتشيرين فإن تللك الصلوات لم تجد نفعاً.

عند ذلك، كتب نيتشيرين إلى “ريوكان” أن مايستند إليه من معتقدات وطقوس من الضعف بحيث لن تجدي صلواته تجاه هذا الموضوع ولاغيره من تحديات. “إذا كنتَ غير قادر على عبور ساقية ماء صغيرة فكيف لك بعبور البحر” – ويعني بذلك كيف لصلواته درء أخطارا كثيرة بما فيها غزو المغول المرتقب. وقد بلغ الغيظ والضيق من نيتشيرين حدّاً لم يجد أعداءه طريقاً سوى التآمر للإنتهاء منه باتهامه بالتحريض على الثورة، وطلب معاقبته.

محاولة إعدام نيتشيرين 🔗

تكاثرت ادعاءات الكهنة ضد نيتشيرين باتهامه بالتحضير للقلاقل بما دفع الحاكم العسكري “هاينو سامؤن” إلى القيام بترأس فرقة من الجنود لاعتقاله.

كان نيتشيرين آنذاك في ما يقارب الخمسين من العمر، وقد ألقي القبض عليه محاطاً بعشرات الجنود المسلحين في مسيرة ليلية إلى مكان الإعدام، رغم أن القرار الأساسي كان أساساً حول نفيه إلى جزيرة بعيدة ليس منها مخرج أو عودة.

وأثناء مرور المسيرة بقرب منزل أحد أتباعه، وكان يدعى “شيجو كينكو”، طلب نيتشيرين من الجنود استدعاءه للكون بجانبه. وفي حين كان نيتشيرين في قوة حياة عالية، بدا على تابعه الأسى الشديد والألم لذلك الوضع، على أن نيتشيرين كان يرفع من معنويات صاحبه ويذكره أن الموت لأجل معتقداته في صحة تعاليم اللوتس مصدر للحرية من قيود الحياة الحالية وطريق إلى الإنارة الأبدية.

كان حديث نيتشيرين مسموعا للجنود الذين كانو في استغراب لقوة حياة نيتشيرين ورنين صوته المتين دون شعور بالخوف، مما سبب لديهم الشك الضمني بما هم كانو قيد تنفيذه.

وصلت فرقة الإعدام إلى شاطىء يدعى ب “تاتسونوكوتشي” (أي “فم التنين”) وكان مكانا يستخدم لإعدام المجرمين (*). وهناك بدا على الجنود بعض التلكؤ، بما شعرو به من استهابة وتخوّف - وكأنهم كالأطفال تجاه شخص بالغ حكيم الكلام وجهوري الصوت في حديثه معهم وفي انشاده.

وأثناء التحضير للإعدام جرى حادث نادر، إذ سطع في سماء الليل ضوء قوي لنيزك (**) أنار السماء لثوان وسبب بلبلة وخوفاً في الجنود، حيث كانت الشهب والنيازك مترافقة في العقائد المحلية بالشؤم والكارثة. عند ذلك توقف الجنود عن أي إجراء، ووافق الجميع على اقتراح أحدهم بتسليم نيتشيرين إلى حاكم محلّي للمنطقة ليقرر ماذا يمكن فعله.

وصل الركب من الجنود مع نيتشيرين إلى مقر حاكم المنطقة التي جرت فيها محاولة الإعدام، الذي سارع بطلب معلومات من العاصمة حول القرار بالبت في مصير ذلك الكاهن الذي فشلت محاولة قتله. واستغرق قرار الحكومة وقتاً مطولاًّ استغلّه نيتشيرين في كتابة رسالة يشرح فيها تعاليمه وقدرتها على تحويل المصير. ثم وصل قرار الحكومة أمراً إلى الحاكم بإرسال نيتشيرين إلى المنفى في جزيرة “سادو” Sado Island حيث ظن الجميع أن الظروف القاسية فيها كفيلة بالتخلصّ من أي منفي إليها.

من وجهة نظر التعاليم البوذية، لايمكن لأي شخص أو ظرف كان إنهاء حياة أو قتل البودا وذلك لأن قدرته الروحية (أو مستوى الطاقة الحياتية فيه) أعلى من المحيط حوله بما لايمكن لقوى المحيط التأثير بإنهاء حياته. لذلك تعتبر حادثة عدم التمكن من اعدام نيتشيرين حادثة ذات معنىً يشير إلى أن قدرة حياته كانت أعلى بكثير من إمكانية هدرها من قبل المحيط. ويعتبر فشل محاولة إعدام نيتشيرين إشارة إلى كنه هويته الحقيقيه التي لم يدركها الآخرون قبلاً، وهي كونه إنسان الإنارة، أو البودا الذي ظهر في الزمن المعاصر (بعد البودا الناريخي المعروف). وبمعنىً آخر: فإن الهوية الحقيقية لنيتشيرين ليست كما كان الناس يفكرون عنه سابقاً بشكل سطحي حسب نظرتهم الإجتماعية المحدودة، بل تتجاوز ذلك بما ليس له سابق معرفة لهم عنه. ويدعى هذا بمبدأ “بزوغ الهوية الحقيقية” – حيث أن الهوية المعتادة والتي يراها المجتمع عن الفرد هي مجرد معلومات سطحية عنه – بينما الهوية الحقيقية الكامنة ضمنه أعمق من ذلك بكثير (*).

النفي إلى جزيرة سادو 🔗

نقل الجنود نيتشيرين - وكان في عمر الخمسين – عبر البحر في ظروف جوية بالغة القسوة من عواصف وأمواج عالية وبرد قارص إلى جزيرة “سادو”، والتي كانت المنفى الذي لاعودة منه، آنذاك.

css

نيتشيرين يشجّع من معه أثناء العبور إلى المنفى

وقد استخدمت السلطات “جزيرة سادو” مكاناً للعقاب لكل الفئات في المجتمع من مجرمين عاديين إلى مبعدين من منافسين للسلطة أو كهنة غير مرضي عنهم.

وحال وصول نيتشيرين إلى المنفى وُضع في كوخ متهدم في وسط مقبرة “تسوكاهارا” Tsukahara (والتي كانت مدفناً للمجرمين لايزوره أحد).

كانت الجدران الخشبية للكوخ متشققة وسقفه مليء بالثقوب ينفذ منها المطر والثلج، ولم يكن لديه مايكفي من طعام سوى لأيام قلائل. ولم يكن البرد الشديد والجوع كل ما واجهه هناك، بل كان عداء السكان في تلك الجزيرة شرساً جدّاً حيث تجمع عدد كبير منهم في تظاهرة تطالب حاكم المنطقة بقتله.

ولكن الحاكم كان مدركاً لأهمية ذلك الكاهن الذي أثار فشل محاولة إعدامه استغراباً وفضولاً لدى الكثيرين، وأدرك أن له تأثير وأتباع في العاصمة وأماكن أخرى، لذلك طلب من قادة المعادين له أن يجابهوه في نقاش علني في حضوره، وذلك لإختبار صدق ما يقوله كل من الطرفين.

وخلال ذلك النقاش العلني (*) مع قادة العقائد (التي كان نيتشيرين رافضاً لها) تبين للحاكم عمق حكمة الحجج التي تقدم بها نيتشيرين، واسلوبه الواضح المتين، فتمّ السماح لبعض أتباعه بزيارته ليأتو له بالمواد الغذائية ومواد الكتابة التي طلبها لتسجيل تعاليمه وتاريخ مايجري من أحداث. ولكن ما أثار استغراب ودهشة الحاكم كانت التنبوءات التي بينها له نيتشيرين أثناء حديث معه بعد انتهاء النقاش، فقد بيّن في حديثه توقعه بحصول تمّرد قريب ونزاع بين العشائر والحكومة، الأمر الذي قد حصل بالفعل بعد عدة أشهر. لذلك بدأ الكثير من الناس بالتفكير حول نيتشيرين بجدية واعتبار، متسائلين عن مصدر معرفته، والتي أجاب حولها بأنه كان يستند إلى مفاهيم تعاليم اللوتس لفهم مايجري في المجتمع. وضمن شعور بالإستهابة، أمر الحاكم بنقله من كوخ المقبرة إلى الإقامة في بيت وأوضاع سكنية أفضل.

بعد مضي سنتين من بدء ذلك المنفى بلغ السلطات خبر هجوم مجدد للمغول في اسطول من مئات السفن وآلآف المقاتلين – الهجوم الذي كان نيتشيرين قد تنبأ به قبل سبعة سنوات – لذلك قررت الحكومة العفو عنه، وأرسلت فرقة من الجنود لحمايته في الرحلة من جزيرة سادو إلى العاصمة كامامورا لأجل استشارته حول وضع البلاد.

تحويل حياة المنفى إلى انجازات 🔗

يمكن وصف الظروف المريعة التي مر بها نيتشيرين بالجحيمية من جميع النواح، على أنه برغم ذلك أنجز في تلك الظروف بالذات عدداً من الكتابات الفلسفية العميقة المعنى والتي ضمّن فيها تعاليماً جديدة.

كان من أهم انجازات فترة المنفى إصدار لوحة كتابية ضمنّها خلاصة سوترا اللوتس، كلوحة للتركيز عليها أثناء الإنشاد (لأجل تحريض الشعور بحقل الإنارة). وتدعى هذة اللوحة بال “كوهونزون” Gohonzon وتعني: “حياة الإنارة ذات القيمة والإحترام الأعمق” “. ويجدر القول أن اعتماد نيتشيرين للإنشاد تجاه لوحة الكوهونزون بدلاً عن تمثال البودا (الذي كان يستخدم في الطقوس الدينية) – كان اجراءاً ثورياً في تاريخ تطور البوذية يميّز التعاليم النيتشيرينية عن غيرها من تقاليد سابقة. فتمثال البودا يمثّل شخصاً بالذات (كان قد وصل إلى الإنارة) بينما اللوحة الكتابية للكوهونزون تمثّل التعاليم التي - في تطبيقها أو اتبّاعها - السبب في انارة أي فرد.

وفي فترة المنفى، أرسل نيتشيرين إلى أتباعه عدداً من الكتابات التي تعتبر من أعمق الكتابات الفلسفية، وبعض منها:

  • لوحة تجسيد روح الإنارة The True Object of Devotion
  • فتح العينين (إلى حقل الإستنارة) The Opening of the Eye
  • الكيان الحقيقي للحياة The True Entity of Life
  • كيان القانون الكوني المقدس The Entity of the Mystic Law

وغير ذلك من كتابات ضمّن فيها شروحات دقيقة لأسس تعاليمه بالإضافة إلى التشجيع المستمر إلى أتباعه للإتقاد في روحهم المعنوية في الحياة اليومية، والتمكّن من التغلّب على المشاق وتحويلها إلى انتصارات.

التحضر للإستقرار قبل الرحيل: عاد نيتشيرين في عمر الثانية والخمسين إلى العاصمة كأقوى مايمكن. فبعد أن فشلت محاولة إعدامه، وفشلت الظروف المريعة في المنفى من التأثير عليه، استطاع في الواقع استغلال المنفى لإقناع أتباع جدد بصحة تعاليمه، ونال هناك احترام حاكم المنطقة، ثم تم صدورعفو الحكومة المفاجىء بل وطلب مقابلته للإستنارة برأيه في الأمور الجارية آنذاك.

وكما سجلّه نيتشيرين في كتاباته لاحقاً، طلب الحاكم العسكري (والذي كان قد أمر بإعدامه) مقابلتة باحترام له، سائلاً عما يمكن فعله لإتقاء خطر غزو المغول. ثمّ - وكمحاولة اعتذار عما أصاب نيتشيرين من اضطهاد متواصل - عرضت الحكومة إنشاء معبد خاص له ولأتباعه، ولكن نيتشيرين رفض ذلك العطاء من السلطات وقرر السفر للمكوث في مكان مع أتباعه على سفح “جبل مينوبو” بعيداً عن العاصمة (*).

كان مساعده الأول الكاهن “نيئيكو” قد رتّب مكان الإستقرار في تلك المنطقة حيث تم بناء بيت آمن لنيتشيرين (وكان آنذاك في عمر الثانية والخمسين) ليستقرّ فيه للمرّة الأولى في حياته بعد أن فقد أعداءه كل أمل في التمكن من إيذائه. ولكن أعداءه تحولو إلى مضايقة اتباعه الجدد والذين تزايدو عدداً في مناطق مختلفة. على أن تلك الأحداث زادت من اصرار الكثيرين على مساندة نيتشيرين، وازدادت شبكة تنظيم اتباعه قوة حيث كان دائم التوجيه لهم في كتاباته وفي تدريبه المباشر. ولاشكّ ان تأثيره كان بالغ العمق، إذ أن محاضراته الشفوية حول تعاليم اللوتس التي قام بها في معبد بناه أتباعه نسخت وحفظت عبر الأجيال.

وبعد مرورعدد من السنوات، حين كان نيتشيرين في التاسعة والخمسين، بدأ يشعر بالمرض والإنهاك الجسدي، ولكنه كان دوماً في قوة حياة نفسية عالية.

وفي أواخر عامه الستين نصحه أتباعه بمرافقتهم لزيارة بحيرات المياه الحارّة القريبة للإستشفاء. وفي مسارهم ذاك طلب نيتشيرين المكوث في منزل أحدهم كان قريباً من المسار للإستراحه.

وهناك في يوم الثالث عشر من اكتوبر 1282 توفي نيتشيرين ضمن جو حميم محاطاً باتباعه وهم ينشدون النداء الذي قدمّه للإنسانية طريقاً للسلم والإنارة.

inline

نيتشيرين قبل الرحيل في عمر الستين


.تم تعيين آخر مكان وصلتم اليه