الفصل الثالث
عودة اللغة الهيروكليفية إلى الحياة بعد آلاف السنين 🔗
كان اكتشاف “حجر رشيد Rosetta Stone” (قرب مدينة رشيد أو رشيت القبطية) قبل حوالي مئتي سنة فاتحة لبدء عصر جديد في تاريخ الحضارة المصرية (*)، حيث تم عبر دراسة محتوياته حل لغز الكتابات التي ظلتّ مجهولة لآلاف السنين. وقد جذب هذا الإكتشاف كثيراً من الباحثين من مختلف أنحاء العالم وكأنهم في مهمة حضارية وشوق إلى التوصل إلى فك رموز اللغة الهيروكليفية. من الواضح أن تراث مصر القديمة كان ولايزال مصدراً لتقدير عالمي عميق، يثير الرغبة في سبر ومعرفة خلفيات القدرات التي عملت في حياة ذلك المجتمع الرائع الإنجازات.
لم يكن من السهل ترجمة بعض التصاوير القديمة إلى اللغات الحالية، خاصّة وأن المقصود في بعض تلك التصاوير له أبعاد تتخطى ماهو مشتركً مع لغات أو مفاهيم المترجمين. وقد حار الدارسين في فهم بعض المفاهيم، والتي تمس بشكل خاص موضوع الحياة بعد الموت، والذي هو أساس في كل الديانات.
التشابه المثير للاستغراب بين مفاهيم حضارات متباعدة 🔗
تشير المصادر المختصّة بالدراسات الفرعونية إلى إعتقاد راسخ للمصريين القدماء بعودة المتوفى إلى الحياة. وقد كان هذا الإعتقاد سبباً ودافعاً وراء نهضة تركت آثاراً في الفن والبناء وفي إتقان التحنيط – وفي تصاوير ومنحوتات للتعبير عن الفكر الديني السائد. و بتلخيص شديد، يبيّن الاعتقاد الذي كان سائداً آنذاك حول الحياة بعد الموت، أن الولادة من جديد تقتضي توافق عناصر ماديّة وروحية – وأهمها “تاريخ الحياة المنقضية”، والتي يرمز لها ب “كا” Ka – أو القدرة الروحية التي تعبر حقل الموت إلى الحياة مجدداً.
ولكن ماهي هذه ال “كا” ؟ تبيّن ترجمة علماء المصريات لما تشير إليه ال “كا” على أنها مفهوم جديد على اللغتين الإنكليزية والعربية، ولذلك فهي تترجم بعدّة تفسيرات بكونها : “القرين الشخصي” Double أو"النسخة الروحية لحياة الشخص"، وكذلك كونها “نسخة أثيرية لمحتوى تاريخ حياة الراحل”.(*)
وقد فضّل المترجمين لمفهوم ال “كا” استخدام كلمات “الحصيلة الأثيرية للحياة المنقضية” أي خلاضة فعاليات للراحل – بينما أعطو كلمة “روح” الميت إلى مفهوم آخر مختلف (هو مفهوم ال"با" Ba ). لذلك تختلف ال"كا" عن الروح، لأن الروح - كما هو متعارف عليه عموماً - هي قدرة لم يخلقها الإنسان، بل هي معطاة مسبقاً ومفهومها ثابت - بينما ال"كا" هي نتيجة ما يخلقه الإنسان بنفسه من دوافع وأعمال أثناء حياته ،والتي هو فقط المسؤول عن تشكيلها.
وبما أن ال"كا" تنتقل عبر رحلة الموت إلى ولادة جديدة، إذن تكون الولادة الجديدة محكومة بقيمة ونوعية الأعمال السابقة للراحل. وهذا المفهوم يشير إلى أن الإنسان مسؤول عن مصيره، وأنه لايوجد حتم مسبق يقيّد الإنسان بمحتواه.
ولكن، لماذا كان رمز ال"كا" عبارة عن ذراعين مرفوعين؟ هناك وصف مفيد لمعنى ال “كا” في “كتاب الراحلين The Book of the Dead”” – يرد في عدد من الإبتهالات أو الترنيمات الواردة فيه، وبشكل خاص في الإبتهال المصنّف برقم 105 (*) وفيه اشارة إلى معنى Ka كفحوى أعمال وأقوال الشخص خلال حياته قبل الموت، أي القيمة المعنوية لمجمل ما قام به خلال تفاعله مع الآخرين في مسار حياته. ويرمز إلى تلك الأفعال بالساعدين واليدين كأفضل رمز جسدي لمفهوم القيام بالأعمال الشخصيّة، وكأنما يصبح رمز kaإعلاناً يقول “هذا ما أنا قد فعلت”. وتعتبر ترنيمة الإبتهال 105 إعلاناً أو شهادة تمجّد سجل الحياة المنقضية للراحل، أي تعلن عن نقاء ال Ka الخاصة به، وإقراراً منه أن مجمل فعالياته وأقواله خلال حياته المنقضية – كانت باتجاه الخير والصدق والقيمة..
تشابه مفهوميّ ال Ka وال Karma 🔗
لم يكن المصرين القدماء وحيدين في الإعتقاد حول أن الراحل يحمل إلى حقل الموت سجلاً أثيرياً لكل ماقام به خلال حياته. فالتعاليم الشرقية تنصّ على نفس هذة العقيدة بالذات، وتشير إليها بكلمة سانسكريتية هي ال “كارما” Karma بماهو مطابق للمفهوم المصري لل “كا”. ومفهوم الكارما أساسي في الفلسفة البوذية بشكل خاص، حيث يشيرهذا المفهوم إلى خلاصة أفعال وأقوال الإنسان، والتي يشكلها خلال حياته، والتي تسجّل تلقائياً في العقل الباطن للفرد، وهو الحقل الفكري-الأثيري الذي لايتأثّر بتحلل الوعي وموت الجسد.
إن مفهوم ال"كا" أو ال “كارما” أسهل استيعاباً من مفهوم “الروح” الغامض. فمن المتفق عليه أن الإنسان لايستطيع طبعاً استبدال أو تغيير الروح المعطاة له، بينما يمكن للفرد اتخاذ قرار بتغيير دوافع أفعاله أو اسلوب أقواله – أي يمكن للفرد (بواسطة بذل الجهد الخاص) إجراء تحويل في مسار حياته، أي إجراء تغيير في نوعية الكارما الخاصّة به ، ذلك أن الكارما حقل نفسي تشكلّه الدوافع والأفعال وتدفع الفرد إلى تكرار نفس الميول النفسية (سلباً أو إيجاباً).(*)
ويؤكد علم النفس أن الأفعال المتكررة تشكّل حقلاً من القدرة النقسية يمغنط تفكير الفرد ويدفعه إلى النمط الخاص به قي العلاقات وفي مسار مستقبله - والذي يحوي بالطبع نتائج الأفعال الماضية (ولذلك كثيراً مايشار إلى الكارما “بسجل النتائج والتبعات”).
وكما تشير إليه التصاوير الهيروكليفية فإن الفرد يحمل خلاصة أفعاله أي ال"كا" على رأسه، وكأنه يحمل سجل تاريخه الشخصي. وكذلك في مفهوم الكارما : السجل النفسي للدوافع التي تسيّر فعاليات الإنسان اليومية – إنما سجّل محفوظ في ذاكرة العقل الباطن، يحمله الفرد في كل لحظة من حياته ( ويؤدّي إلى جذب ردود أفعال الآخرين أو وقوع الأحداث المناسبة لمحتويات سجل ال"كارما" الخاص بالشخص).
إن التشابه بين المفاهيم الروحية لدى حضارات لم يكن بينها أي اتصال يعني عموماً أنه ليس هناك من احتكار للمعتقدات أو استثناء فكري لشعب على آخر. فما يظهر في مكان أو زمان ما – يمكن أن يظهر في مكان أو زمان آخر دون صلة مباشرة.
مفهوم قدسيّة الحياة في كل الكائنات 🔗
من المثير للإستغراب للوهلة الأولى رؤية تصاويرالآلهة المصرية القديمة في أشكال متعددة للكائنات الحية تشمل الحشرات والحيوانات وأيضاً الطيور- مندمجة مع جسد إنساني الشكل. فالإله “حورس” يظهر برأس الصقرعلى جسد رجل، والآلهه “سخمت” امرأة برأس اللبوة، وهناك أيضاً آلهة على شكل حشرة الخنفس والجعران والنحلة وعدد من الكائنات الحية المختلفة. وتهدف هذة التصاوير أساساً إلى التعبيرعن قدرة الحياة الموجودة ضمن كل الكائنات في الكون - وأنه لااستعلاء لأحدها على الآخر لأنها كلاًّ تجسيّد للقدرة الإلهية.
وعموماً ما نجد نوعاً من الإستهزاء لدى البعض حول اعتبار حشرة أو حيوان كائناً ذو قيمة أو اعتبار. وهذا التفكير ناجم عن تكبّر وجهل، ذلك أن جميع الكائنات الحية مترابطة في العمق ولها إحساسات ومشاعر ووظيفة خاصّة بها. وقد عبّر الفراعنة عن هذة الحقيقة بتبيانهم أن نفس القدرة الإلهية التي شكلّت الإنسان قد شكلّت الحيوان والحشرات والنباتات. وضمن هذا المنظور يبدو الإستخفاف بما هو غير الإنسان بمثابة استعلاء واستخفاف بقدرة الكون الموجودة ضمن كل ما هو حي.
يقابل هذا الإتجاه الفكري للمعتقدات المصرية القديمة مبدأ أساسي في الفلسفة الشرقية، هو مبدأ : “وحدة وترابط كل الكائنات” حيث أن كل كائن حي يجسّد قدرة الحياة الكونية Cosmic Life Force الموجودة ضمنه. وتركزّ “سوترا اللوتس” على مفهوم “الحقيقة الغير مرئية للوجود” وأن هذة الحقيقة تكمن ضمن كل ماهو حي، أي أنها “تتجلّى في كل الظواهر، كلُ حسب وظيفنها” (*):
يشيرمفهوم “وجود قدرة الحياة في كل الظواهر” – إلى أن كل ماهو “ظاهر للعيان” في الواقع المادّي من كائنات حيّة وظروف طبيعية تعبير عن القدرة الكونية أو الإلهية.
ويكمن في هذا التعبير إشارة إلى أن ماهو “ظاهر” مرئي ليس إلاّ تجسيد فيزيائي لكنهه الروحي أو “غير المرئي” ضمنه. وحسب هذا المنظور فإنّ النباتات والحشرات والحيوانات بأنواعها وكل أفراد البشر – كلها عبارة عن تجسيد ظاهر مرئي للمضمون أو “للكنه الخفي” الذي لا يمكن إدراكه بالحواس. وتشير الكتابات المصرية إلى هذا “الكنه الخفي” بإسم Amen :

تعني كلمة Amen “أآمن”- حرفيا: “الكنه الخفي لروح الوجود” أوالإله “الغير مرئي”، The Hidden One . وهذا المعنى بالذات هو ماتشير إليه كلمة “يخفى” YHWH لدى العبرانيين ترجمة لكلمة Amen.

واعتبار Amen في العقيدة المصرية القديمة “سيّداً على عروش الأرض” يعني اعتباره السلطة أو المصدرالذي يقدمّ له العطاء، “الأب” الخفي للوجود:
ويقابل هذا الإعتقاد نصّ مشابه في سوترا اللوتس حول أن حياة الإنارة الكونية مصدر(أب) لوجود العالم (*). ويتجلّى هذا المصدر الروحي للعالم في كل الكائنات الحية دون استثناء. وكلمة “أب” تعني هنا “المصدر” :

ولأجل أن يتجلّى “الكنه " (أو ذاك الذي “يخفى”) بحيث يمكن أن يظهر للعيان - أضاف الفراعنة إلى “أمن” Amen كلمة “رع” Ra التي تعني إله الشمس، بما يجعل “ماهو خفي” أي Amen - مرئياً كالشمس، أو Ra – مصدر القدرة الكونية في السماء.
ويقابل هذا الترابط بين “الخفي والمرئي” أيضا مفهوم “ميو هو” Myoho في فلسفة اللوتس، حيث تشير “ميو"Myo إلى الكنه الروحي الخفي للكائن، بينما تشير Ho “هو” إلى الكيان الفيزيائي (الذي يجسّد الكنه الروحي).
وضمن هذا المنظور فإن كل ما هو موجود من كائنات وأفراد – هو “ميو هو” Myoho: تجسيد فيزيائي لكنه الحياة الخفي (والموجود ضمن الكائن).
ولكن الإله “رع” يظهر أيضاً بشكل أرضي: بشكل إنسان له رأس الصقر. وقد يبدو من المحيّر أن تعطى الآلهة المصرية القديمة أشكالاً لكائنات مختلطة بين الإنسان والحيوان،. على أن في هذا دلالة للإعتقاد أن ماهو مقدس ليس مقتصراً على ماهو في السماء (الصقر)، وليس مركزّاً على الإنسان (الأرض)، بل يشارك في القدسية كل ما هو حي من الحيوان والطير والحشرات.
بمعنى آخر:إن كل ماهو حي - بكافة أشكاله - تعبيرعن قدرة الحياة المقدسة الموجودة ضمنه، دون استعلاء لكائن على آخر، فلكل كائن وظيفة تلائمه في لوحة الواقع الهائلة التشابك والترابطات.
وهذا المفهوم حول وحدة )أو ترابط( الكائنات الحية مقارب جداً لتعبير سوترا اللوتس أن روح الحياة “ميو” Myo توجد في الواقع بشكل كائنات Ho هي تجسيّد أو تعبّير عنها – وبذلك فإن كل الكائنات الحية All living beings من نبات وأشجار وحشرات وحيوانات وبشر إنما هي إصدار من القدرة الكونية الشاملة Myoho (**).
وحدة الأرض والسماء في وحدة اللوتس والشمس 🔗
لربما كان أكثر ما يثير الإهتمام في مغزى المعتقدات المصرية القديمة هوالإشارة إلى اللوتس ككيان أرضي )أنثوي الجنس( لاينفصل عن الإله السماوي للشمس )الذكري الجنس(، وأن اتحادهما هو بمثابة وحدة الجنسين في كيان الإنسان الكامل الجمال (نفرتم) - الذي يظهر في عدد من المنحوتات كطفل يبزغ من زهرة اللوتس حاملاً قرص الشمس.

“الإنسان يبزغ من اللوتس حاملاً لشمس الإنارة”

من لوحات منتصف الجدار الجنوبي لمعبد حيبس معبد هيبس - واحة الخارجة
هنا أيضاً تتوارد الصدف التاريخية، وتظهر أحجية المفاهيم المتشابهة في المعتقدات الإنسانية التي تربط بين الشمس واللوتس والإنسان.
ومثال لهذا التماثل المثير للتفكير يظهر في منطقتين متباعدتين تماما ومنفصلتين في الزمان والمكان: مصر(قبل حوالي ألف سنة قبل الميلاد) من جهة، وأقصى مناطق الشرق: في اليابان (بعد حوالي ألف سنة بعد الميلاد).
كما يذكر التاريخ في سجلاته، كان الواقع الإجتماعي في القرن الثالث عشر في اليابان مسرحاً للنكبات وللمعاناة من جرّاء جوّ العنف والإنقسامات بين طبقات المجتمع، التي جرت إضافة إلى حدوث الكثير من الكوارث الطبيعية المتكررة. وفي تلك الظروف القاسية ظهر مفكر ثوري المعتقدات، بدأ في الإعلان عن نفسه في عام 1253 باتخاذه اسماً هو: شمس اللوتس: نيتشيرين Nichiren حيث تعني كلمة Nichi الشمس، وتعني كلمة ren زهرة اللوتس.

استقطب نيتشيرين عدداً كبيراً من الناس، حيث أعطت تعاليمه الأمل والقدرة على تغييرالواقع السيء إلى إمكانية التحرر من المعاناة وإلى التمتع بالأمن والقوة الروحية على الصعيد الفردي. وقد بيّن نيتشيرين أن كل فرد يحتوي في حياته حقلاً فطرياً من القدرة الكونية (ممثلة بالشمس)، وعلى الصفاء الفكري والنقاء (ممثلاً باللوتس). وقد سجّل في كتاباته أن السبب في تسمية ذاته بشمس اللوتس هو وصوله إلى الإنارة الروحية الكاملة.
إن ظاهرة ارتباط اللوتس بالشمس ليس فيها جدل، فإحساس أوراق الزهرة بنور الشمس أمر يمكن ملاحظته في الواقع، ولكن المغزى الروحي لذلك مثير للتفكير في كلا المثالين: من مصر القديمة و اليابان.
وقد كان “نيتشيرين” واضحاً في الإعلان أن الإسم الذي اختاره لنفسه له جذور في تعاليم سوترا اللوتس، وأنه تعبيرعن تحقيقه الوصول إلى الإنارة الروحية:
إن إعطائي لنفسي إسم “نيتشيرين” نابع من إدراكي الضمني لحقل الإنارة الكونية.
ولربما يبدوهذا للبعض وكأنني أقوم بالإعلان عن أنني قد وصلت إلى الحكمة
الأعلى – ولكن في واقع الأمر توجد أسباب معينة حول إتخاذي لإسمي:” شمس لوتس”،
وهي أن واقعي الشخصي في الحياة اليومية يتطابق مع ما جاء في تعاليم سجل سوترا اللوتس،
(التي تصّور ظهور إنسان الإنارة في فعاليات في الواقع تحيل الظلام في حياة الناس نورا) :
كما أن إشعاع الشمس وضياء القمر يبددان الغموض والظلام
كذلك هذا الإنسان في مساره ضمن حياة العالم
قادرعلى إزالة الجهل والمعاناة من حياة الكائنات" (*)
والمهم في هذة الدراسة التاريخية حول مفهوم “شمس اللوتس” في اليابان وفي مصر القديمة – الإشارة إلى مثال آخر لظاهرة توارد الأفكار والرؤى في الفكر الإنساني دون عائق أو مانع من ذلك، وبما يتخطّى الحقب الزمنية أو المسافات المكانية.